محمد متولي الشعراوي

9316

تفسير الشعراوي

فاخترْنَ التسخير على الاختيار وحَمْل الأمانة ؛ لأنهن لا يضمَنَّ القيام بها . وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } [ البقرة : 102 ] . كأن الساحر مآله إلى الكفر ؛ لأنه ابن أهواء وأغيار ، لا يستطيع أن يتحكّم في نفسه فيُسخِّر قوة السحر في الخير ، كما أن الله تعالى إذا أراد أن يُسخِّر القوى للخير : أيُسخِّر الطائع ؟ أم يُسخِّر العاصي ؟ سيُسخِّر الطائع ، والجن الطائع لا يرضى أبداً بهذه المسألة . إذن : لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي ، كما قال تعالى : { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ } [ الأنعام : 121 ] . لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على سَمْتهم الغضب ، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشُؤْمها ، ينفر منهم مَنْ رآهم ، يعيشون في أضيق صور العيش ، فترى الساحر يأخذ من هذا ، ويأخذ من هذا ، ويبتز الناس ويخدعهم ، ومع ذلك تراه شحاذاً يعيش في ضيق ، ويموت كافراً مُبْعَداً من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يَسْلمَون من شُؤْمه ، وصدق الله العظيم حين قال : { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً } [ الجن : 6 ] . كما أن في حياة السحرة لفتة ، يجب أن نلتفت إليها ، وهي أن السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم : من أين يرتزقون ؟ من عامة الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئاً ، ولو